خليل الصفدي

32

أعيان العصر وأعوان النصر

كان ينادي يوم الجمعة على الكتب ، ويأخذ رزقه فيها من بني الخطية السلب ، ونسخ كثيرا من الدواوين الصغيرة الرائقة ، والأشعار التي بالغزل والنسيب لائقة ، وقطعت في غير جناية يمينه ، وبقي رحمة لا يجد من يعينه ، وكتب بعد قليل بشماله ، وقاتل على ذلك ؛ لأن الخط كان رأس ماله ، وكان يعتذر في آخر الكتاب أنه بيده اليسرى ؛ ليعذره من كان بذكره مغرى ، وكان خطه أبهج من خميلة ، وأرهج من الطلعة الجميلة . ولم يزل على حاله إلى أن غص بالشجى ، ولم يجد من يد الموت مخرجا ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وسبعمائة ، ووصل إلى السبعين . وكان قد وصل إليه القباري واليعفوري ، وكتب لهما كتابا ، وكان ذلك مرافعة في حق الأفرم فأمسكوا ، وأفتى الشيخ زين الدين الفارقي بقطع يديه ، وتوسيط الآخرين فقطعت يده ، - وقد تقدّم ذكر هذه الواقعة في ترجمة الشيخ أحمد القباري في آخر الأحمدين ، فتكشف من هناك - ولما قطعت يده قال للأفرم : يا خوند ، قطعت يدي لأجل درهمين هذان دفعا إلى درهمين ، وقال : اكتب هذا الكتاب ، فرقّ له الأفرم ، وأعطاه جملة دراهم ، وأظنه رتب له شيئا ، وكان التاج المذكور مغرى بكتابة ديوان ابن الفارض والحاجري « 1 » ، وغيره من هذه الدواوين الصغار ، ويكتب كثيرا بكتاب الدرة المضية في اللغة التركية ، وهذه الكتب موجودة بين ظهراني الناس ، وخطه معروف ، وكان يقول : عمري ما وقع في أذني ألذ من قول الأفرم : وهذا اقطعوا يده ؛ لأنه رسم قبل ذلك بتوسيط القباري واليعفوري المذكورين . وكان قد أسنّ ووقعت أسنانه ، وكان يمشي وفي جنبه جرن خشب ، ويدق حتى يدق الخيارة ، والقيثاءة ، والتفاحة ، والسفرجلة ، والكمثري ، وغير ذلك ، ووجد بعد موته سمّاعه مشيخة العفيف محمد بن زكريا بن رحمة . 977 - عبد الرحمن بن نصر « 2 » ابن عبيد المفتي الإمام زين الدين الفدمي السوادي الصالحي الحنفي . سمع المرسي ، وسبط بن الجوزي ، وخطيب مردا ، وإبراهيم البطائحي ، والرشيد العراقي ، واليلداني ، وعدة .

--> ( 1 ) الحاجري هو : عيسى بن سنجر بن بهرام الحاجري حسام الدين : شاعر رقيق الألفاظ ، وحسن المعاني ، تركي الأصل ، ينسب إلى حاجر من بلاد الحجاز قتل غدرا بأربل سنة 632 ه ، له ديوان شعر ، ومسارح الغزان الحاجرية . ( انظر : وفيات الأعيان 1 / 398 ، وآداب اللغة 3 / 24 ) . ( 2 ) انظر : الوافي بالوفيات : 18 / 293 ، والدرر الكامنة : 3 / 2371 .